محمد بن جرير الطبري
20
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
أن يرجي من النساء اللواتي أحلهن له من يشاء ، ويؤوي إليه منهن من يشاء ، وذلك أنه لم يحصر معنى الإرجاء والإيواء على المنكوحات اللواتي كن في حباله ، عندما نزلت هذه الآية دون غيرهن ممن يستحدث إيواؤها أو إرجاؤها منهن . إذا كان ذلك كذلك ، فمعنى الكلام : تؤخر من تشاء ممن وهبت نفسها لك ، وأحللت لك نكاحها ، فلا تقبلها ولا تنكحها ، أو ممن هن في حبالك ، فلا تقربها ، وتضم إليك من تشاء ممن وهبت نفسها لك ، أو أردت من النساء التي أحللت لك نكاحهن ، فتقبلها أو تنكحها ، وممن هي في حبالك فتجامعها إذا شئت ، وتتركها إذا شئت بغير قسم . وقوله : وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معنى ذلك : ومن نكحت من نسائك فجامعت ممن لم تنكح ، فعزلته عن الجماع ، فلا جناح عليك نكاح النبي . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، في قوله : وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ نكاح النبي قال : جميعا هذه في نسائه ، إن شاء أتى من شاء منهن ، ولا جناح عليه . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله : وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ قال : ومن ابتغى أصابه ، ومن عزل لم يصبه نكاح النبي . وقال آخرون : معنى ذلك : ومن استبدلت ممن أرجيت ، فخليت سبيله من نسائك ، أو ممن مات منهن ممن أحللت لك فلا جناح عليك نكاح النبي . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن سعد ، قال : ثني أبي ، قال : ثني عمي ، قال : ثني أبي ، عن أبيه أب جد سعد ، عن ابن عباس ، قوله : وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ نكاح النبي يعني بذلك : النساء اللاتي أحل الله له من بنات العم والعمة والخال والخالة اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ يقول : إن مات من نسائك اللاتي عندك أحد ، أو خليت سبيله ، فقد أحللت لك أن تستبدل من اللاتي أحللت لك مكان من مات من نسائك اللاتي هن عندك ، أو خليت سبيله منهن ، ولا يصلح لك أن تزداد على عدة نسائك اللاتي عندك شيئا . وأولى التأويلين بالصواب في ذلك ، تأويل من قال : معنى ذلك : ومن ابتغيت إصابته من نسائك مِمَّنْ عَزَلْتَ عن ذلك منهن فَلا جُناحَ عَلَيْكَ لدلالة قوله : ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ نكاح النبي على صحة ذلك ، لأنه لا معنى لأن تقر أعينهن إذا هو صلى الله عليه وسلم استبدل بالميتة أو المطلقة منهن ، إلا أن يعني بذلك : ذلك أدنى أن تقر أعين المنكوحة منهن ، وذلك مما يدل عليه ظاهر التنزيل بعيد . وقوله : ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ يقول : هذا الذي جعلت لك يا محمد من إذني لك أن ترجي من تشاء من النساء اللواتي جعلت لك إرجاءهن ، وتؤوي من تشاء منهن ، ووضعي عنك الحرج في ابتغائك إصابة من ابتغيت إصابته من نسائك ، وعزلك عن ذلك من عزلت منهن ، أقرب لنسائك أن تقر أعينهن به ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن من تفضيل من فضلت من قسم ، أو نفقة وإيثار من آثرت منهم بذلك على غيره من نسائك ، إذا هن علمن أنه من رضاي منك بذلك ، وإذني لك به ، وإطلاق مني لا من قبلك . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ذلِكَ أَدْنى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ إذا علمن أن هذا جاء من الله لرخصة ، كان أطيب لأنفسهن ، وأقل لحزنهن . حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله ذلك ، نحوه . والصواب من القراءة في قوله : بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ الرفع غير جائز غيره عندنا ، وذلك أن كلهن ليس بنعت للهاء في قوله